151 تبليغًا عن مشاكل في المياه خلال مارس

0

المنبر التونسي (151 تبليغًا عن مشاكل في المياه) – في ظل تزايد التحديات البيئية واحتداد آثار التغير المناخي، عادت أزمة المياه في تونس إلى الواجهة بقوة، وهذه المرة عبر أرقام مقلقة نشرها “المرصد التونسي للمياه”، والذي رصد خلال شهر مارس 2025 فقط 151 تبليغًا حول اضطرابات ومشاكل متعلقة بالتزود بالماء الصالح للشراب.

وتوزعت هذه التبليغات على 20 ولاية، مع تفاوت كبير في عدد البلاغات، مما يعكس هشاشة المنظومة المائية واختلال التوزيع الجغرافي للخدمات الأساسية في البلاد.

قفصة على رأس خارطة العطش

وحسب بيانات المرصد، احتلت ولاية قفصة المرتبة الأولى من حيث عدد التبليغات بـ39 تبليغًا، تلتها ولاية صفاقس بـ24 تبليغًا، في حين جاءت ولايات مثل، قابس (8) ومدنين كذلك( 8) والكاف (7)، وجندوبة (6)، وسيدي بوزيد (5) وسوسة (3)، ضمن الولايات الأكثر تضررًا. أما المناطق الأقل تضررًا فشملت ولايات مثل توزر، والمهدية، التي لم تتجاوز فيها التبليغات حدود 1 إلى 2.

ولئن تكررت في السنوات الأخيرة مظاهر الانقطاع المتقطع أو الطويل للمياه، فإن ما يميز وضع شهر مارس هو اتساع رقعة الانقطاعات وعدم وجود إعلام مسبق بها، مما جعل المواطنين يعيشون حالة من الترقب والارتباك، وسط غياب بدائل واضحة أو حلول عاجلة، وفقًا للمرصد التونسي للمياه.

المواطن يدفع الثمن

من أصل 151 تبليغًا تم تسجيله، شكّلت الانقطاعات النصيب الأكبر بـ135 تبليغًا، أي بنسبة تفوق 89%. وتشير هذه النسبة إلى أن الإشكال لا يتعلق فقط بندرة المياه، بل بضعف القدرة على إدارة وتوزيع الموارد الموجودة بشكل عادل ومنتظم.

في مقابل ذلك، تم تسجيل 9 تبليغات تتعلق بتسربات في شبكات المياه، و6 تحركات احتجاجية محلية، في حين رُصدت حالة واحدة فقط من المياه غير الصالحة للشرب، وفقًا لما وثّقه موقع (http://www.watchwater.tn) التابع للمرصد.

وهذا التفاوت في طبيعة التبليغات يكشف عمق الأزمة في مستوى البنية التحتية، إذ لا يتعلق الأمر فقط بالعوامل المناخية أو الضغط على الموارد، بل أيضًا بـتهالك الشبكات وتراجع الاستثمار العمومي في الصيانة والتحديث.

شح الموارد المائية

أفاد علاء المرزوقي، منسق المرصد التونسي للمياه، في تصريح لموزاييك بأن تونس سجلت خلال شهر مارس أكثر من 150 إشعارًا يتعلق بانقطاعات ومشاكل مرتبطة بالمياه، ترافقت مع تحركات احتجاجية للمطالبة بالحق في الحصول على الماء.

وأوضح المرزوقي أن هذا الأمر طبيعي بالنظر إلى شح الموارد المائية، وتخبط الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في مشاكل تتعلق بالصيانة وتعطّل منظومة العطاء منذ سنوات.

أما عن الحلول التي يقترحها المرصد التونسي للمياه، فهي تركز أساسًا على تحسين نجاعة الشبكات، وهو مطلب أساسي.

الاستثمار في تجديد الشبكات

وأكد علاء المرزوقي أنه “من غير المعقول، ونحن نعيش في أزمة مياه حقيقية، أن تستمر نسب التسرب في بعض المناطق بتونس في تجاوز 25 أو حتى 30%. لذلك فإن الاستثمار في تجديد الشبكات يجب أن يكون من أولى الأولويات، إلى جانب البحث عن حلول مستدامة، مثل حصاد مياه الأمطار، عبر العودة إلى ممارسات بديلة كاستعمال “الماجل” وأنظمة التصفية”.

كما دعا المرصد إلى وقف نزيف تصدير المياه عبر المنتجات الفلاحية المستنزفة للمياه، مثل الطماطم والخس وغيرها.

وطالب أيضًا بإجراء تدقيق مائي لشركات المياه، وكذلك الشركات التي تستنزف المياه على غرار شركة فسفاط قفصة، والمجمع الكيميائي التونسي وغيرها من المؤسسات التي لا تزال إلى اليوم تفتقر إلى تقارير دقيقة وأرقام واضحة حول استهلاكها المائي.”

احتجاجات عطشى

أمام هذا الوضع المتدهور، لم يبق المواطن مكتوف اليدين. فقد شهدت ست ولايات تحركات احتجاجية، عبّر خلالها المواطنون عن غضبهم من انقطاعات الماء المتكررة وغياب التفاعل الجدي من السلطات.

هذه التحركات، وإن بقيت محلية ومحدودة، فإنها تنذر بارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي، خاصة في مناطق داخلية تُعاني أصلًا من التهميش التنموي والبنى التحتية الهشة.

والمفارقة أن التحركات الاحتجاجية لم تقابل بأي تفاعل علني من قبل الجهات الرسمية، رغم أن أزمة المياه أصبحت تتكرر شهريًا في الجهات ذاتها تقريبًا، بما يجعل منها ظاهرة بنيوية تستوجب تدخلًا وطنيًا عاجلًا لا مجرد حلول ظرفية.

الأزمة أعمق من مجرد عطش

تتعدد أسباب أزمة المياه في تونس، إلا أن الخبراء يُجمعون على أنها ليست فقط نتيجة حتمية للتغير المناخي أو تراجع مخزون السدود، بل هي نتيجة سياسات مائية قديمة لعقود وغير مواكبة للتغيرات، قامت على منطق التسيير اليومي والتدخل العشوائي، بدل بناء رؤية استراتيجية متكاملة.

وأكد المرصد التونسي للمياه في تقاريره أن مشكل التزود بالماء في تونس بات يتطلب مقاربة جديدة تقوم على الشفافية، التشاركية، وحسن الحوكمة.

كما شدد على ضرورة إعادة الاعتبار للحق في الماء كحق دستوري أساسي، خاصة أن الفصل 48 من دستور 2022 ينص أنه “على الدّولة توفير الماء الصالح للشّراب للجميع على قدم المساواة، وعليها المحافظة على الثّروة المائية للأجيال القادمة.”.

الحلول موجودة ولكنها متأخرة

من بين الحلول التي طُرحت في السنوات الأخيرة، مشاريع تحلية مياه البحر، خاصة في مناطق الجنوب والسواحل، إلى جانب تجديد شبكات المياه ومكافحة التبذير والتسربات، فضلًا عن مراجعة منظومة الحوكمة داخل الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد).

لكن وتيرة تنفيذ هذه المشاريع ظلت بطيئة، ما جعل الأزمة تتفاقم عامًا بعد عام.

كما لم تُفعّل بعد منظومة الإنذار المبكر والتبليغ للمواطنين قبل الانقطاعات، وهو ما يزيد من حالة الاحتقان والارتباك لدى المواطنين.

ودعا المرصد التونسي للمياه للتبليغ عن المشاكل المرتبطة بالماء عبر منصته الرقمية، مشددًا على أهمية توثيق المعاناة المحلية حتى لا تبقى “خارطة العطش” مجرد بيانات، بل وثيقة ضغط مدني وسياسي من أجل إنقاذ ما تبقى من الثروة المائية في البلاد.

ويذكر أن نسبة امتلاء السدود في تونس  بلغت 35،9 بالمائة وفق ما ذكره يوم الأربعاء 2 أفريل 2025، المكلف بتسيير الإدارة العامة للهندسة الريفية واستغلال المياه بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري كمال المؤدب، في تصريح للاذاعة الوطنية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.